الشنقيطي

408

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المناسبة ذكر القرطبي رحمه اللّه في تفسيره في سورة « البقرة » جملا من أحكام قتل الحيّات ؛ فذكر عن ساكنة بنت الجعد أنها روت عن سري بنت نبهان الغنوية أنها سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها ، وأسودها وأبيضها ، ويرغّب في ذلك . ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود حديثا فيه : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أصحابه بقتل حيّة فسبقتهم إلى جحرها ؛ فأمرهم أن يضرموا عليها نارا . وذكر عن علماء المالكيّة أنهم خصّصوا بذلك النهي عن الاحراق بالنار ، وعن أن يعذّب أحد بعذاب اللّه . ثمّ ذكر عن إبراهيم النخعي : أنّه كره أن تحرق العقرب بالنار ، وقال : هو مثله . وأجاب عن ذلك بأنه يحتمل أنه لم يبلغه الخبر المذكور . ثم ذكر حديث عبد اللّه بن مسعود الثابت في الصحيحين قال : كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غار ، وقد أنزلت عليه وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ( 1 ) فنحن نأخذها من فيه رطبة ، إذ خرجت علينا حيّة فقال « اقتلوها » ، فابتدرناها لنقتلها ، فسبقتنا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « وقاها اللّه شرّكم كما وقاكم شرّها » فلم يضرم نارا ، ولا احتمال في قتلها ، وأجاب هو عن ذلك ، بأنه يحتمل أنه لم يجد نارا في ذلك الوقت ، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك ، مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحية . ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات عام في جميع أنواعها إن كانت غير حيات البيوت ، ثم ذكر فيما خرجه أبو داود من حديث عبد اللّه بن مسعود : « اقتلوا الحيات كلهن ، فمن خاف ثأرهن فليس منّي » ثم ذكر أن حيات البيوت لا تقتل حتى تؤذن ثلاثة أيام ؛ لحديث : « إن بالمدينة جنّا قد أسلموا ، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام » ثم ذكر أن بعض العلماء خص ذلك بالمدينة دون غيرها ؛ لحديث : « إن بالمدينة جنا قد أسلموا » . قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جنّ غير المدينة أحد أولا ؛ قاله ابن نافع . ثم ذكر عن مالك النهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد . ثم قال : وهو الصحيح ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف : 29 ] الآية . وفي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن - وفيه - سألوه الزاد وكانوا من جنّ الجزيرة » وسيأتي بكماله في سورة « الجنّ » إن شاء اللّه تعالى . وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يخرج عليه وينذر ، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه . ( ثمّ قال ) : روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة : أنّه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته ، قال : فوجدته يصلّي فجلست أنتظره حتّى يقضي صلاته ، فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت ، فالتفت فإذا حيّة فوثبت لأقتلها فأشار إليّ أن أجلس فجلست ، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت ؟ فقلت نعم . قال : كان فيه فتى منّا حديث عهد بعرس ، قال : فخرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الخندق ، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله ، فاستأذنه يوما فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :